جمله معترضه
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية ؛ ص781
تنبيهات: الأوّل: يجوز الاعتراض بأكثر من جملة خلافا للفارسي، كقوله تعالى:
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ [آل عمران/ 36]، فالجملة الاسميّة، و هي و اللّه أعلم بما وضعت بإسكان التاء، و الفعلية و هي ليس الذكر كالأنثي معترضتان بين الجملتين المصدّرتين بإنّي.
الثاني: كثيرا ما تشبه المعترضة بالحالية و يميّزها منها أمور:
أحدها: أنّه يجوز اقترانها بالفاء كقوله [من الكامل]:
877- و أعلم فعلم المرء ينفعه
أن سوف يأتي كلّ ما قدرا[1]
الثاني: أنّه يجوز كونها طلبيّة، كقوله [من السريع]:
878- إنّ الثّمانين و بلّغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان[2]
الثالث: أنّه يجوز تصديرها بدليل استقبال كلن في: وَ لَنْ تَفْعَلُوا [البقرة/ 2]، و قوله [من الوافر]:
879- ... و سوف إخال أدري
...[3]
الرابع: أنّه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت كقول المبتني [من المنسرح]:
880- يا حادبي عيرها أحسبني
أوجد ميتا قبيل أفقدها
قفا قليلا بها على فلا
أقلّ من نظرة أزوّدها[4]
قوله: أفقدها على إضمار أن، و قوله أقلّ يروي بالرفع و النصب.
الثالث: للبيانيّين في الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النّحويّين، و الزمخشريّ يستعمل بعضها كقوله في: نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة/ 133]، يجوز أن تكون حالا من فعل نعبد، أو من مفعوله لاشتمالها على ضميريهما، و أن تكون معطوفة على نعبد، و أن تكون اعتراضية مؤكّدة، و أي و من حالنا أنّا مخلصون له التوحيد، و يردّ عليه مثل ذلك
الحدائق الندية في شر ح الفوائد الصمدية، ص: 782
من لا يعرف هذا العلم كأبي حيّان توهّما منه أنّه لا اعتراض إلا ما يقوله النحويّ، و هو الاعتراض بين شيئين متطالبين، قاله في المغني.[5]
مغني اللبيب ؛ ج2 ؛ ص395
[كثيرا ما تشتبه الجملة المعترضة بالجملة الحالية، و التمييز بينهما بأربعة أمور]
مسألة- كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية، و يميزها منها أمور:
أحدها: أنها تكون غير خبرية كالأمريّة فى (وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ، أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) كذا مثل ابن مالك و غيره، بناء على أنّ (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) متعلق بتؤمنوا، و أن المعنى و لا تظهروا تصديقكم بأن أحدا يؤتى من كتب اللّه مثل ما أوتيتم، و بأن ذلك الأحد يحاجّونكم عند اللّه يوم القيامة بالحق فيغلبونكم، إلا لأهل دينكم لأن ذلك لا يغير اعتقادهم بخلاف المسلمين، فإن ذلك يزيدهم ثباتا، و بخلاف المشركين، فإن ذلك يدعوهم إلى الإسلام، و معنى الاعتراض حينئذ أن الهدى بيد اللّه، فإذا قدّره لأحد لم يضره مكرهم.
مغني اللبيب، ج2، ص: 396
و الآية محتملة لغير ذلك، و هى أن يكون الكلام قد تم عند الاستثناء، و المراد و لا تظهروا الإيمان الكاذب الذى توقعونه وجه النهار و تنقضونه آخره إلا لمن كان منكم كعبد اللّه بن سلام ثم أسلم، و ذلك لأن إسلامهم كان أغيظ لهم و رجوعهم إلى الكفر كان عندهم أقرب، و على هذا ف (أَنْ يُؤْتى) من كلام اللّه تعالى، و هو متعلق بمحذوف مؤخر، أى لكراهية أن يؤتى أحد دبّرتم هذا الكيد، و هذا الوجه أرجح لوجهين:
أحدهما: أنه الموافق لقراءة ابن كثير (أ أن يؤتى) بهمزتين، أى لكراهية أن يؤتى قلتم ذلك.
و الثانى: أنّ فى الوجه الأول عمل ما قبل إلا فيما بعدها، مع أنه ليس من المسائل الثلاث المذكورة آنفا.
و كالدّعائية فى قوله:
إنّ الثّمانين و بلّغتها
قد أحوجت سمعى إلى ترجمان [625]
و قوله:
إنّ سليمى و اللّه يكلؤها
ضنّت بشىء ما كان يرزؤها [626]
و كالقسميّة فى قوله:
* إنّى و أسطار سطرن سطرا* [627] البيت [ص 457]
و كالتنزيهية فى قوله تعالى (وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ، سُبْحانَهُ، وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) كذا مثل بعضهم.
و كالاستفهامية فى قوله تعالى (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا) كذا مثل ابن مالك.
مغني اللبيب، ج2، ص: 397
فأما الأولى فلا دليل فيها إذا قدر لهم خبرا، و ما مبتدأ، و الواو للاستئناف لا عاطفة جملة على جملة، و قدّر الكلام تهديدا كقولك لعبدك: لك عندى ما تختار، تريد بذلك إيعاده أو التهكم به، بل إذا قدر (لَهُمْ) معطوفا على (لِلَّهِ) و ما معطوفة على البنات، و ذلك ممتنع فى الظاهر؛ إذ لا يتعدّى فعل الضمير المتصل إلى ضميره المتصل إلا فى باب ظن و فقد و عدم نحو (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) فيمن ضم الباء، و نحو (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) و لا يجوز مثل «زيد ضربه» تريد ضرب نفسه، و إنما يصح فى الآية العطف المذكور إذا قدر أن الأصل و لأنفسهم ثم حذف المضاف، و ذلك تكلف، و من العجب أن الفراء و الزمخشرى و الحوفى قدروا العطف المذكور و لم يقدروا المضاف المحذوف، و لا يصح العطف إلا به.
و أما الثانية فنصّ هو و غيره على أن الاستفهام فيها بمعنى النفى، فالجملة خبرية.
و قد فهم مما أوردته من أن المعترضة تقع طلبية أن الحالية لا تقع إلا خبرية، و ذلك بالإجماع، و أما قول بعضهم فى قول القائل:
637- اطلب و لا تضجر من مطلب
[فآفة الطّالب أن يضجرا]
[ص 586]
إن الواو للحال، و إن لا ناهية؛ فخطأ، و إنما هى عاطفة إما مصدرا يسبك من أن و الفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق، أى ليكن منك طلب و عدم ضجر، أو جملة على جملة، و على الأول ففتحة تضجر إعراب، و لا نافية، و العطف مثله فى قولك «ائتنى و لا أجفوك» بالنصب و قوله:
638- فقلت ادعى و أدعو إنّ أندى
لصوت أن ينادى داعيان
و على الثانى فالفتحة للتركيب، و الأصل و لا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت للضرورة، و لا ناهية، و العطف مثله فى قوله تعالى (وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً).
مغني اللبيب، ج2، ص: 398
الثانى: أنه يجوز تصديرها بدليل استقبال كالتنفيس فى قوله:
* و ما أدرى و سوف إخال أدرى* [51]
و أما قول الحوفى فى (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ): إن الجملة حالية فمردود، و كلن فى (وَ لَنْ تَفْعَلُوا) و كالشرط فى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) (قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا) (وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)* (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) (فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها) و إنما جاز «لأضربنه إن ذهب و إن مكث»؛ لأن المعنى لأضربنه على كل حال؛ إذ لا يصح أن يشترط وجود الشىء و عدمه لشىء واحد.
و الثالث: أنه يجوز اقترانها بالفاء كقوله:
639- و اعلم فعلم المرء ينفعه
أن سوف يأتى كلّ ما قدرا
و كجملة (فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) فى قول و قد مضى، و كجملة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)* الفاصلة بين (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً) و بين الجواب و هو (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ) و الفاصلة بين (وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) و بين (فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ) و بين صفتيهما، و هى (مُدْهامَّتانِ) فى الأولى (حُورٌ مَقْصُوراتٌ) فى الثانية، و يحتملان تقدير مبتدأ؛ فتكون الجملة إما صفة و إما مستأنفة.
الرابع: أنه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت كقول المتنبى:
640- يا حاديى عيرها، و أحسبنى
أوجد ميتا قبيل أفقدها
مغني اللبيب، ج2، ص: 399
قفا قليلا بها علىّ؛ فلا
أقلّ من نظرة أزوّدها
قوله «أفقدها» على إضمار أن، و قوله «أقل» يروى بالرفع و النصب.
[للبيانيين فى الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النحويين]
تنبيه- للبيانيين فى الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النحويين، و لزمخشرىّ يستعمل بعضها كقوله فى قوله تعالى: (وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ):* يجوز أن يكون حالا من فاعل (نَعْبُدُ)* أو من مفعوله؛ لاشتمالها على ضميريهما، و أن تكون معطوفة على (نَعْبُدُ)* و أن تكون اعتراضية مؤكدة، أى من حالنا أنا مخلصون له التوحيد، و يردّ عليه مثل ذلك من لا يعرف هذا العلم كأبى حيان توهّما منه أنه لا اعتراض إلا ما يقوله النحوى و هو الاعتراض بين شيئين متطالبين.[6]
الأشباه و النظائر في النحو ؛ ج2 ؛ ص190
ذكر الفرق بين الجملة الحالية و المعترضة
قال ابن هشام[7]: كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية. و يميّزها منها أمور:
أحدها: أنّ المعترضة تكون غير خبريّة كالأمريّة، و الدعائيّة و القسميّة و التنزيهيّة.
و الثاني: أنّه يجوز تصديرها بدليل استقبال كلن و السين و سوف و الشرط.
الثالث: أنّه يجوز اقترانها بالفاء.
الرابع: أنه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت.
الأشباه و النظائر في النحو، ج2، ص: 191
[8]
الأشباه و النظائر في النحو ؛ ج2 ؛ ص184
ذكر الفرق بين المصدر و اسم المصدر
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: الفرق بينهما أنّ المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان و غيره كقولنا: إنّ (ضربا) مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى. و سمّوا ما يعبّر به عنه مصدرا مجازا، نحو: ض ر ب في قولنا: إنّ (ضربا) مصدر منصوب إذا قلت: ضربت ضربا فيكون مسمّاه لفظا.
و اسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان و غيره، كسبحان المسمّى به التسبيح الذي هو صادر عن المسبّح لا لفظ: ت س ب ي ح، بل المعنى المعبّر عنه بهذه الحروف، و معناه القراءة و التنزيه، انتهى.
و قال ابن الحاجب في (أماليه): الفرق بين قول النحويين، مصدر و اسم مصدر، أنّ المصدر الذي له فعل، يجري عليه، كالانطلاق في انطلق، و اسم المصدر
الأشباه و النظائر في النحو، ج2، ص: 185
هو اسم المعنى، و ليس له فعل يجري عليه كالقهقرى، فإنه لنوع من الرجوع، و لا فعل له يجري عليه من لفظه. و قد يقولون: مصدر و اسم مصدر في الشيئين المتغايرين لفظا: أحدهما للفعل و الآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل كالطّهور و الطّهور، و الأكل و الأكل. فالطّهور المصدر، و الطّهور اسم ما يتطّهر به، و الأكل المصدر، و الأكل كلّ ما يؤكل، انتهى.[9]
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول ؛ ج5 ؛ ص339
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 339
(و اما) الاطناب (بالاعتراض و هو) اي الاعتراض ان يؤتي في اثناء كلام) واحد فخرج بقيد الاثناء الايغال لانه كما مر ختم الكلام الواحد بما يفيد نكتة لا يتم المعنى بدونه هذا و لكن قال شمني في حاشية منه على قول ابن هشام في الباب الثاني في التنبيه الذي يذكره في اخر بحث الجملة المعترضة ان قوما من البيانيين جوزوا وقوع الاعتراض اخر جملة لا يليها جملة متصله بها معنى بان لا يليها جملة اصلا فيكون الاعتراض في اخر الكلام او يليها جملة غير متصلة بها معنى و هذا صريح في مواضع من الكشاف انتهى و سياتي مثل هذا الكلام في اخر المبحث مع بيان اختلاف هؤلاء القوم فانتظر (او بين كلامين متصلين معنى) سيبين المراد من الاتصال المعنوي بعيد ذلك (بجملة) واحدة (او اكثر) من جملة واحدة و قد نسب ابن هشام في بحث الجمل التي (لا محل لها من الاعراب) الى الزمخشري القول بجواز الاعتراض بسبع جمل و قد مثل بعضهم لذلك بقوله تعالى وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الى قوله تعالى مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ و ذلك اذا جعل هذا حالا من قوله وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ و جعل ذَواتا أَفْنانٍ خبر مبتدء محذوف (لنكتة سوى دفع الايهام) فخرج بقيد عدم المحل التتميم لوجود الاعراب فيه و بقيد سوى دفع الايهام التكميل لان فيه دفع الايهام فالخارج ثلاثة امور و بقى بعض صور التذييل و هو ما اذا كانت الجملة المعترضة مشتملة على معنى ما قبلها و كانت النكتة التاكيد لان سوى الايهام شامل للتاكيد و في المقام كلام ياتي عنقريب و ليعلم انه (ليس المراد بالكلام هو المسند اليه و المسند فقط) و الالم يشمل اكثر الامثلة (بل مع جميع ما يتعلق بهما من الفضلات و التوابع) المفردة و لو تاويلا و انما قيدنا بذلك
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 340
ليغاير الاعتراض بين الكلامين فهذا كله اذا كان الاعتراض في اثناء كلام واحد (و) اما اذا كان بين كلامين فا (لمراد باتصال الكلامين) معنى (ان يكون) الكلام (الثاني بيانا للأول او تاكيدا له او بدلا منه) او نحو ذلك كان يكون الثاني معطوفا على الاول كما في الاية الثانية المذكورة في الشرح (كالتنزيه في قوله تعالى وَ يَجْعَلُونَ) اى المشركون (لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) هذا مثال للأعتراض في اثناء كلام واحد (فان قوله تعالى سُبْحانَهُ جملة لكونه) مفعولا مطلقا (بتقدير الفعل) اى اسبح سبحانه اى انزهه تعالى تنزيها (اوقعت) هذه الجملة (في اثناء الكلام لان قوله وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ عطف على قوله لِلَّهِ الْبَناتِ) و العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه فالضمير المجرور باللام معمول ليجعل على انه مفعول و فاعله الواو في يجعلون و الضمير ان لشيىء واحد اي يجعلون لانفسهم ما يشتهون من الذكور.
فان قلت قد ذكر في النحو كما في المكررات في باب افعال القلوب ان عمل الفعل في ضمير لشييء واحد احدهما فاعل و الاخر مفعول ممنوع فلا يقال ضربتني و ذلك لان عمله فيهما على ان احدهما فاعل و الاخر مفعول يوهم تغايرهما نظرا للغالب من مغايرة الفاعل للمفعول الا في افعال القلوب فانه يجوز فيها ذلك لعدم الايهام السابق لان علم الانسان و ظنه بامور نفسه اكثر من علمه و ظنه بامور غيره.
قلت اجيب باجوبة ثلاثة الاول ان هذا انما هو فيما اذا جعل الظرف لغوا متعلقا بالجعل بمعنى الاختيار فان جعل مستقرا و الجعل بمعنى التصيير اي يصيرون البنات مستحقا للّه تعالى و ما يشتهون من البنين
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 341
مستحقا لهم فلا لان الامتناع انما هو اذا كان الضمير ان معمولين لفعل واحد لا اذا كان احدهما معمولا لمعموله و كذلك اذا كان الجعل بمعنى الاعتقاد لان الفعل حينئذ قلبي.
الثاني ان محل الامتناع فيما اذا لم يكن احد الضميرين مجرورا فان كان مجرورا جاز بدليل قوله تعالى وَ هُزِّي إِلَيْكِ لانه يتوسع في الجار و المجرور و الظرف ما لا يتوسع في غيره كما بين في مواضع متعددة من النحو.
الثالث ان محل الامتناع في غير المعطوف فان كان احد الضميرين معطوفا جاز ذلك لانه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع واحد الضميرين هنا مجرور و معطوف.
و اعترض الجوابان الاخيران بان تعليل المنع السابق المنع مطلقا حتى في هاتين الصورتين لوجود عله المنع فيهما.
و اجيب بان وجود علة المنع فيهما لا يستلزم المنع لانهما مستثنيان للمعنى السابق فهما نظير ما تقدم في اول الكتاب في شطط وال و نحوهما من المستثنيات فتذكر.
(و النكتة فيه) اي في الاعتراض في الاية الكريمة (تنزيه اللّه تعالى و تقديسه عما ينسبون اليه) و هو غير دفع الايهام بل دفع لما اعتقد وافي حقه تعالى من النقص.
(و الدعاء اى و كالدعاء في قول عوف ابن محلم الشيباني يشكو عن كبره و ضعفه) في قصيدته التي قالها لعبد اللّه بن طاهر و كان قد دخل عليه فلم عليه عبد اللّه فلم يسمع فاعلم بذلك فدنا منه و انشده هذه القصيدة معتذرا و مادحا له و منها.
ان الثمانين و بلغتها
قد احوجت سمعى الى ترجمان
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 342
اي ان الثمانين سنة التي مضت من عمرى و بلغك اللّه و لما ثقل بمضيها قد احوجت سمعي الى ترجمان بفتح الجيم و التاء يجمع على تراجم كزعفران و قد يقال بضم الجيم و فتح التاء و ربما ضمت التاء مع الجيم (يقال ترجم كلامه اذا فسره بلسان اخر) هذا معناه في الاصل و المراد هنا التفسير بصوت اجهر من الصرت الاول (فقوله بلغتها) بالبناء للمجهول (جملة معترضة بين اسم ان و خبرها) لقصد الدعاء للمخاطب بطول عمره و بلوغه الثمانين سنة و لا يقال في هذا الدعاء دعاء على المخاطب بالصمم و ضعف السمع فلا يناسب ادخال السرور على المخاطب لانا نقول ان الغبطة في طول العمر يغتفر معها ذلك الضعف لعدم امكانه الا به.
(و الواو فيه) اى في قوله و بلغتها (اعتراضية ليست عاطفة و لا حالية كما ذكره بعض النحاة) و سياتي الفرق بين الاعتراضية و الحالية (و به) اى بكون الواو اعتراضية لا حالية (يشعر ما ذكره صاحب الكشف في قوله تعالى وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا انها اعتراضية لا محل لها من الاعراب نحو هل اتاها و الحوادث جمة) بان امرء القيس بن تملك بيقرا يقال بيقر فلان اي سكن في الحضر و ترك البادية و الكلام تحزن و تحسر لان سكنى المدينة ذل عند العرب لما فيه من تسلط الحكام و الشاهد في قوله و الحوادث جمة فانه اعتراض و النكتة فيها قلنا كما التحسر و التحزن (فائدتها) اى فائدة جملة و اتخذ اللّه ابراهيم خليلا (تاكيد) ما يدل عليه قوله تعالى وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً من (وجوب اتباع ملته) اي ملة ابراهيم (ص) لان من بلغ من الزلفى عند اللّه ان اتخذه خليلا كان جديرا بان تتبع ملته و طريقته كذا في الكشاف
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 343
ثم قال (و لو جعلتها عطفا على الجملة قبلها) اى على و اتبع ملة ابراهيم حنيفا (لم يكن لها معنى) اذ لا مناسبة بينهما و لا جامع غير التاكيد.
(و مثله ما ذكره) صاحب الكشاف في قوله تعالى) في قصة مريم (وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى انه) اي كل واحدة من هاتين الجملتين (اعتراض بين قوله إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى و قوله إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) و انما قلنا كل واحدة من هاتين الجملتين فانه صرح بذلك حيث قال فان قلت علام عطف قوله وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ قلت هو عطف على إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى و ما بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ انتهى.
(و مثل هذا الاعتراض) الذي يكون مع الواو (كثيرا ما يلتبس بالحال و الفرق دقيق) فلا يعين احدهما الا قصد المتكلم فان قصد كون الجملة قيدا للعامل فهي حالية و الا فهو اعتراضية و قد (اشار اليه) الى وجه الفرق و كونه بالقصد (صاحب الكشاف في قوله تعالى اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ* ان قوله وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ) يحتملهما فانه ان قصد انه قيد للعامل فهو (حال) عن فاعل اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ (اي عبدتم العجل و انتم واضعون العبادة في غير موضعها) لان الظلم وضع الشيىء في غير موضعه (او) يكون القصد من قوله وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ التاكيد لظلمهم فهو (اعتراض) في اخر الكلام (اي و انتم قوم عادتكم الظلم) فهو جملة مستقلة لم يقصد ربطها بالعامل و لا كونها في وقته.
(و التنبيه في قوله اى كالتنبيه في قول الشاعر)
فاعلم فعلم المرء ينفعه
ان سوف ياتي ما قدرا
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 344
(ان هي مخففة من المثقلة و ضمير الشان) اسمها (محذوف) او ضمير مخاطب للمامور بالعلم اى انك سوف ياتي كل ما قدرا كما اجازه سيبويه و جماعة في ان يا ابراهيم قد صدفت الرؤيا كذا في حاشية المغنى في الباب الثاني فى بحث الجملة المعترضة و خبرها جملة سوف ياتي كل ما قدرا (يعني ان المقدر) اى ما قدره اللّه تعالى (ات و ان وقع فيه تاخير) اذ لا راد لقضائه (و في هذا تسلية و تسهيل للامر) و ذلك لان الانسان اذا علم ان ما قدره اللّه تعالى ياتيه و لا بد منه طال الزمان او قصر و ان لم يطلبه و ما لم يقدره لا ياتيه و ان طلبه تسلى قلب ذلك الانسان و سهل عليه الامر يعني الصبر و التفويض الى اللّه و ترك منازعة الاقدار و الى هذا المعنى يشير ما نسب الى امام الموحدين.
اي يومين من الموت افر
يوم ما قدر ام يوم قدر
و كذا ما قيل بالفارسية اي طالب روزي بنشين كه بخورى و اى مطلوب اجل مرو كه جان نبرى (و) الشاهد في (قوله فعلم المرء ينفعه) فانه (جملة معترضة بين اعلم و مفعوليه) الاولى ان يقول و الجملة السادة مد مفعوليه فتنبه (و الفاء) في قوله فاعلم (اعتراضية) قال ابن هشام في بحث الجملة المعترضة في تعداد ما يميز المعترضة عن الحالية (و فيها شائبة من السببية) اذ كانه يقول و انما امرتك بالعلم بسبب ان علم المرء ينفعه ايها المخاطب فهذا مما يفيد التنبيه بعد امره بالعلم ان العلم يفيده فالنكتة في هذا الاعتراض التنبيه على امر يؤكد الاقبال على ما امر به.
(و مما جاء اي من الاعتراض الذى وقع بين كلامين و هو) اي
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 345
الاعتراض (اكثر من جملة ايضا كما ان الواقع هو) اى الاعتراض (اكثر من جملة) فيها تمثيلان تمثيل ما جاء بين كلامين و تمثيل ما هو اكثر من جملة (قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فقوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ اعتراض من جملة) و ان كانت الجملة الثانية في محل المفرد هذا اذا قدر كما هو الظاهر الثانية معطوفة على جملة يحب التوابين التى هي خبر ان.
و اما اذا بنينا على ان المراد بالجملة ما لم تكن فى محل المفرد و هو الاظهر فانما يصح التمثيل اعنى كون الاعتراض اكثر من جملة اذا قدر عطف و يحب المتطهرين على مجموع ان اللّه يحب التوابين اما بتقدير او بدون التقدير لانها ليست فى محل المفرد حينئذ و ذلك لما قرر في محله من ان المعطوف على الاول اول و ان كان المعطوف حاوية على على ضمير عائد على ما في الاول و من المعلوم انه اذا بنينا على ان المراد بالجملة ما لم تكن في محل المفرد و قلنا ان العطف اى عطف و يحب المتطهرين على يحب التوابين فليس هنا جملتان فليس الاعتراض باكثر من جملة بل بجملة واحدة فقط و ذلك لماء تقرر في محله من ان المعطوف على الثاني ثان.
و كيفكان فالاعتراض في الاية (بين كلامين متصلين معنى) و هما قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ و قوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (و اشار الى اتصالهما بقوله فان قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان لقوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعنى ان) المكان (الماتي الذي امركم به هو مكان الحرث) فيكون المستفاد منه ان النساء كمحل
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 346
الحراثة الحسية في طلب ما ينمو منهن بالقاء المنى الذي هو كالبذر (لان الغرض الاصلى في الاتيان طلب النسل) الذي هو اهم الامور المطلوبة منهن لما فيه من بقاء النوع الانساني (لاقضاء الشهوة فلا تاتوهن الا من حيث يتاتى منه هذا الغرض) الاصلى (و النكتة في هذا الاعتراض الترغيب فيما امروا به) الذي من جملته الاتيان من مكان الحرث (و التنفير عما نهوا عنه) الذي من جملته اتيانهن من غيره و ذلك لان الاخبار بمحبة اللّه للتائبين اى الراجعين عما نهوا عنه الى ما امروا به و المتطهر من اوساخ الذنوب و لمنهيات بسبب التوبة مما يؤكد الرغبة فى المامور به و ترك المنهى عنه و ذلك مؤثر فيمن كان له قلب سليم.
(و من نكت الاعتراض تخصيص احد المذكورين كالوالدين في الاية (بزيادة التاكيد في امر) كالوصية بالوالدة في الاية على ما سيصرح به (علق بهما) اى بالمذكورين يعنى الوالدين (كقوله تعالى وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ فقوله أَنِ اشْكُرْ لِي تفسير ل وَصَّيْنَا) فهما متصلان معنى (و قوله حَمَلَتْهُ اعتراض بينهما ايجابا) اي للايجاب و التثبت (للوصية بالوالدة خصوصا و تذكيرا لحقها العظيم).
و الحاصل ان جملة حملته اعتراض يفيد تاكيد شكر الوالدة و هي احد الامرين المتعلق بهما الوصية بالشكر لدلالة هذا الاعتراض على ان الوالدة لها مزيد التعلق بالانسان اي بالولد و شدة الارتباط بمشقة القيام باموره فاستحقت بذلك او لويتها بالشكر قضاء لحقها و اداء لشكر تعبها و قد تواترت الاخبار عليه عن المعصومين عليهم السّلام.
(و منها) اى من نكت الاعتراض (المطابقة و الاستعطاف) كما
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 347
(في قول ابي الطيب.
و خفوق قلب لو رايت لهيبه
يا جنتي لرايت فيه جهنما
(فقوله يا جنتي اعتراض) بين الشرط و الجزاء (للمطابقة) اي مطابقة الجنة مع جهنم (و الاستعطاف) اى لاستعطاف محبوبه اي طلب عطوفته بسبب اضافة الجنة الى ياء المتكلم و تسميته جنة ليرق له و يعطف عليه فينجيه من جهنم التى في فواده بسبب الوصال و قريب من هذا المعنى ما قاله الشاعر الفارسي.
يا رب اين اتش كه بر جان من است
سرد كن زانسان كه كردى بر خليل
(و منها بيان السبب لامر فيه غرابة كما في قول الشاعر.
فلا هجره يبدو و في الياس راحة
و لا وصله يصفو فنكارمه
(فان كون هجر الحبيب مطلوبا للمحب امر غريب فبين سببه بان في الياس راحة) فهي المطلوبة لا ان الهجر نفسه مقصودة الى هنا كان الكلام في الاعتراض مبنيا على ما قاله الجمهور من البيانيين.
(و قال قوم) منهم (قد يكون النكتة فيه اى في الاعتراض غير ما ذكر) من النكات (مما سوى دفع الايهام) و المراد بالسوى التنزيه و الدعا و التنبيه (بل يجوز) عند هؤلاء القوم (ان يكون الاعتراض لما ذكر من النكات و لدفع ايام خلاف المقصود) حاصل الكلام في المقام ان هؤلاء القوم لا يقيدون الاعتراض بما ذكر (في المتن السابق من كونه لنكتة سوى دفع الايهام بل يجوز عندهم كما صرح في الايضاح ان تكون النكتة فيه الامور الثلاثة المتقدمة و ان تكون دفع توهم ما يخالف المقصود (ثم جوز بعضهم وقوعه يعني ان القائلين بان
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 348
النكتة في الاعتراض قد يكون دفع الايهام ايضا) كما تكون النكتة فيه ما ذكر (افترقوا فرقتين فجوز فرقة منهم) كما نقلنا في اول المبحث عن شمنى (وقوع الاعتراض اخر جملة) اى بعد جملة (لا يليها جملة) اخرى (متصلة بها) و ذلك على قسمين الاول (بان لا يليها جملة اصلا فيكون الاعتراض في اخر الكلام) و الثاني ما ذكره بقوله (او يليها جملة غير متصلة بها معنى و هذا) الذي جوزه فرقة منهم (صريح في مواضع من الكشاف) فراجعه (فيكون الاعتراض عند هؤلاء) الفرقة (ان يؤتي في اثناء الكلام او اخره او بين كلامين متصلين او غير متصلين بجملة او اكثر لا محل لها من الاعراب لنكتة) سواء كانت تلك النكتة دفع الايهام او غيره كالتنزيه و الدعاء و التنبيه (لانهم) اى هؤلاء الفرقة (لم يخالفوا الاولين) اى الجمهور (الا في) شيئين احدهما (جواز كون النكتة دفع الايهام) ايضا (و) ثانيهما (جواز ان لا يليها جملة متصلة بها فيبقى اشتراط ان لا يكون لها محل من الاعراب بحاله) فهذا لم يقع فيه خلاف.
(فيشمل الاعتراض بهذا التفسير) الذي عند هؤلاء الفرقة (التذييل) بجميع صوره لان التذييل كما تقدم انفا يشترط فيه ان يكون بجملة لا محل لها من الاعراب فان قيد عدم المحل من الاعراب و ان لم يذكره المصنف لكنه اشار اليه بالامثلة المذكورة في كلامه لان جملة التذييل في تلك الامثلة لا محل لها من الاعراب و سياتي ما يؤيد ذلك بعيد هذا فالاعتراض الذي وقع في الجملة للتاكيد تسمى باسمين التذييل و الاعتراض (و) يشمل ايضا (بعض صور التكميل و هو ان يكون بجملة لا محل لها من الاعراب كما في قول الحماسي.
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 349
و ما مات منا سيد في فراشه
و لا طل منا حيث كان قتيل
(فان المصراع الثاني اعتراض بهذا التفسير لانه جملة لا محل لها من الاعراب وقع بعد جملة لدفع الايهام كما انه (تكميل) فانه لدفع ايهام خلاف المقصود و ذلك (لانه) اى الشاعر (لما وصف قومه بشمول القتل اياهم اوهم ان ذلك لضعفهم و قلتهم) و هذا خلاف ما قصده الشاعر لان المقصود بقرينة المقام التفاخر بشجاعة قومه و بانه لم يمت رئيس منهم الا في الحرب (فازال ذلك الوهم بوصفهم) اى بوصف قومه (بالانتصار) اى بالانتقام (من قاتليهم) فلا يطل دم قتيل منهم في اى موضع قتل و ذلك لكونهم اقوياء كثيرين لا ضعفاء قليلين.
(و كلامه ههنا) اي قوله فيشمل التذييل (دال على ان الجملة في التذييل يجب ان لا يكون لها محل من الاعراب) و ذلك لان شمول الاعتراض بهذا التفسير للتذييل مطلقا انما يصح اذا لم يكن له اى للتذييل محل من الاعراب (و هذا) الذي يدل عليه كلامه ههنا (مما لم يشعر به تفسيره) اى تفسير التذييل و هو قوله فيما تقدم و هو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها للتوكيد (لجواز ان يكون) اي يوجد (جملة ذات محل من الاعراب تعقب بجملة اخرى مشتمله على معناها معربة باعرابها) حالكون هذه الجملة الاخرى (بدلا منها) اى من الجملة التى هي ذات محل من الاعراب (او تاكيدا) لها (و) مع ذلك (يكون الغرض منها) اى من الجملة الاخرى (تاكيد) الجملة (الاولى) التى هي ذات محل من الاعراب فيصدق حينئذ على الجملة الاخرى التفسير المذكور للتذييل و ذلك يخالف ما دل عليه كلامه
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 350
ههنا (اللهم الا ان يقال انه اعتمد في هذا الاشتراط) اى في اشتراط ان لا يكون للجملة فى التذييل محل من الاعراب (على الامثلة) لانه قد يكون كما صرح به السيوطي اعطاء الحكم بالمثال من دون ان يصرح به بالمقال (و) ليعلم (ان الاعتراض بهذا التفسير) بل بكل تفسير (يباين التتميم لانه) كما تقدم في تفسيره (انما يكون بفضله و الفضلة) مطلقا اي جملة كانت او غيرها (لا بد لها من الاعراب) و الاعتراض انما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب و تباين اللوازم يدل على تباين الملزومات.
(و بعضهم اي و جوز الفرقة الثانية من القائلين بان النكتة في الاعتراض قد يكون دفع الايهام كونه اي كون الاعتراض غير جملة فالاعتراض عندهم) اى عند هذه الفرقة الثانية (ان يوتي في اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى بجملة او غيرها لنكتة فيشمل الاعتراض بهذا التفسير بعض صور التتميم) و هو ما كان واقعا في اثناء كلام او بين كلامين متصلين معنى و كذا يشمل بعض صور التذييل و لكن لما كان اصل التفسير شاملا له ايضا و كان الغرض ههنا ذكر ما يخص هذا التفسير لم يتعرض له.
(و) يشمل ايضا (بعض صور التكميل و هو ما يكون واقعا في اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى و تقرير كلامه) المذكور ههنا (على ما ذكرنا ظاهر) لانه اقتصر على ما ذكر في المتن و لم يزد عليه ما زاده في الايضاح في بيان شمول الاعتراض بهذا التفسير صور التتميم و اشار الى ذلك بقوله (و اما على ما ذكره في الايضاح حيث قال و فرقة تشترط في الاعتراض ان يكون في اثناء الكلام او بين
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 351
كلامين متصلين معنى لكن لا تشترط) هذه الفرقة (ان يكون جملة او اكثر من جملة فحينئذ يشمل) الاعتراض (من التتميم ما كان واقعا في احد الموقعين) اى في اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى (و لا محل له من الاعراب جملة كان او اقل من جملة) و ذلك بان يكون مفردا و هذا هو الذي زاده في الايضاح فصار منشاء للاشكال و الاختلال و اشار الى ذلك بقوله (ففيه اختلال) و اشكال (لانه) اي الشان (اما ان يشترط في الاعتراض عند هؤلاء ان يكون له محل من الاعراب او لا يشترط فان اشترط ذلك لم يصح تجويز كونه) اى كون الاعتراض (غير جملة) اي مفردا و بعبارة اخرى لم يصح قوله او اقل من جملة (لان المفرد لا بد له في الكلام من الاعراب و لم يشمل شيئا من التتميم اصلا لانه) اي التتميم (انما يكون بفضلة و لا بد للفضلة من اعراب و ان لم يشترط ذلك (فلا حاجة الى قوله و لا محل من الاعراب لانه) اى الاعتراض (يشمل) عند الجميع (من التكميل ما كان واقعا في احد الموقعين) اي في اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى (سواء كان له محل من الاعراب او لا يكون) له محل من الاعراب
(اللهم الا ان يقال ان الاعتراض اذا كان جملة يشترط عند هؤلاء ان لا يكون لها محل من الاعراب) فبهذا التوجيه البعيد يمكن تصحيح قوله و لا محل له من الاعراب (و اما قوله جملة كان او اقل من جملة او اكثر) من جملة (فهو) ظاهر بحيث لا يمكن تصحيحه بوجه من الوجوه (لان ما هو اقل من جملة لا بد من ان يكون له اعراب) هذا و لكن يمكن تصحيح ذلك على بعض الاقوال في اسماء الافعال لو كان الاعتراض بها (ففي الجملة كلامه لا يخلو عن خبط) و اختلال
المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، ج5، ص: 352
و اللّه العالم بحقيقة الحال و المقال.[10]مختصر المعاني (تفتازاني)، ص: 179
(و اما بالتتميم و هو ان يؤتى فى كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة) مثل مفعول او حال او نحو ذلك مما ليس بجملة مستقلة و لا ركن كلام.
و من زعم انه اراد بالفضلة ما يتم اصل المعنى بدونه فقد كذبه كلام المصنف فى الايضاح و انه لا تخصيص لذلك بالتتميم (لنكتة كالمبالغة نحو وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ، فى وجه) و هو ان يكون الضمير فى حبه للطعام (اى) و يطعمون (مع حبه) و الاحتياج اليه و ان جعل الضمير للّه تعالى اى يطعمونه على حب اللّه فهو لتأدية اصل المراد (و اما بالاعتراض و هو ان يؤتى فى اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى بجملة او اكثر لا محل لها من الاعراب لنكتة سوى دفع الايهام) لم يرد بالكلام مجموع المسند اليه و المسند فقط بل مع جميع ما يتعلق بهما من الفضلات و التوابع.
و المراد باتصال الكلامين ان يكون الثانى بيانا للاول او تأكيدا او بدلا منه (كالتنزيه فى قوله تعالى وَ يَجْعَلُون لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) فقوله سبحانه جملة لانه مصدر بتقدير الفعل وقعت فى اثناء الكلام لان قوله وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ عطف على قول للّه البنات (و الدعاء فى قوله.
مختصر المعاني (تفتازاني)، ص: 180
«ان الثمانين و بلغتها، قد احوجت سمعى الى ترجمان» اى مفسر و مكرر فقوله بلغتها اعتراض فى اثناء الكلام لقصد الدعاء و الواو فى مثله تسمى واو اعتراضية ليست بعاطفة و لا حالية.
(و التنبيه فى قوله و اعلم فعلم المرء ينفعه) هذا اعتراض بين اعلم و مفعوله و هو (ان سوف يأتى كل ما قدّرا) ان هى المخففة من المثقلة و ضمير الشان محذوف يعنى ان المقدور آت البتة تأتى و ان وقع فيه تأخير ما.
و فى هذا تسلية و تسهيل للامر فالاعتراض يباين التتميم لانه انما يكون بفضلة و الفضلة لابد لها من اعراب و يباين التكميل لانه انما يقع لدفع ايهام خلاف المقصود و يباين الايغال لانه لا يكون الا فى آخر الكلام لكنه يشمل بعض صور التذييل و هو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب وقعت بين جملتين متصلتين معنى لانه كما لم يشترط فى التذييل ان يكون بين كلامين لم يشترط فيه ان لا يكون بين كلامين فتأمل حتى يظهر لك فساد ما قيل انه يباين التذييل بناء على انه لم يشترط فيه ان يكون بين كلامين متصلين معنى.
(و مما جاء) اى و من الاعتراض الذى وقع (بين كلامين) متصلين (و هو اكثر من جملة ايضا) اى كما ان الواقع بينهما هو اكثر من جملة (نحو قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فهذا اعتراض اكثر من جملة لانه كلام يشتمل على جملتين وقع بين كلامين اولهما قوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ و ثانيهما قوله (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) و الكلامان متصلان معنى.
(فان قوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) و هو مكان الحرث فان الغرض الاصلى من الاتيان طلب النسل لاقضاء الشهوة و النكتة فى هذا الاعتراض الترغيب فيما امروا به و التنفير عما نهوا عنه (و قال قوم قد تكون النكتة فيه) اى فى الاعتراض (غير ما ذكر) مما سوى دفع الايهام حتى انه قد يكون لدفع ايهام خلاف المقصود (ثم) القائلون بان النكتة فيه قد تكون لدفع الايهام افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه) اى الاعتراض (فى آخر جملة لا تليها جملة متصلة
مختصر المعاني (تفتازاني)، ص: 181
بها) و ذلك بان لا تلى الجملة جملة اخرى اصلا فيكون الاعتراض فى آخر الكلام او تليها جملة اخرى غير متصلة بها معنى.
و هذا الاصطلاح مذكور فى مواضع من الكشاف فالاعتراض عند هؤلاء ان يؤتى فى اثناء الكلام او فى آخره او بين كلامين متصلين او غير متصلين بجملة او اكثر لا محل لها من الاعراب لنكتة سواء كانت دفع الايهام او غيره (فيشمل) اى الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) مطلقا لانه يجب ان يكون بجملة لا محل لها من الاعراب و ان لم يذكره المصنف (و بعض صور التكميل) و هو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب فان التكميل قد يكون بجملة و قد يكون بغيرها و الجملة التكميلية قد تكون ذات اعراب و قد لا تكون لكنها تباين التتميم لان الفضلة لابد لها من اعراب.
و قيل لانه لا يشترط فى التتميم ان يكون جملة كما اشترط فى الاعتراض و هو غلط كما يقال ان الانسان يباين الحيوان لانه لم يشترط فى الحيوان النطق فافهم (و بعضهم) اى و جوز بعض القائلين بان نكتة الاعتراض قد تكون لدفع الايهام (كونه) اى الاعتراض (غير جملة) فالاعتراض عندهم ان يؤتى فى اثناء الكلام او بين كلامين متصلين معنى بجملة او غيرها لنكتة ما (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم و) بعض صور (التكميل و هو) ما يكون واقعا فى اثناء الكلام او بين الكلامين المتصلين (و اما بغير ذلك) عطف على قوله اما بالايضاح بعد الابهام و اما بكذا و كذا كقوله تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِه، فانه لو اختصر) اي ترك الاطناب فان الاختصار قد يطلق على ما يعم الايجاز و المساواة كما مر (لم يذكر وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ لان ايمانهم لا ينكره) اى لا يجهله (من يثبتهم) فلا حاجة الى الاخبار به لكونه معلوما (و حسن ذكره) اى ذكر قوله وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (اظهارا لشرف الايمان و ترغيبا فيه) و كون هذا الاطناب بغير ما ذكر من الوجوه السابقة ظاهر بالتأمل فيهم.
(و اعلم انه قد يوصف الكلام بالايجاز و الاطناب باعتبار كثرة حروفه
مختصر المعاني (تفتازاني)، ص: 182
و قلتها بالنسبة الى كلام آخر مساوله) اى لذلك الكلام (فى اصل المعنى) فيقال للاكثر حروفا انه مطنب و للاقل انه موجز (كقوله يصد) اى يعرض (عن الدنيا اذا عنّ) اى ظهر (سؤدد) اى سيادة و لو برزت فى زى عذراء ناهدى الزى الهيئة و العذراء البكر و النهود ارتفاع الثدى.
(و قوله و لست) بالضم على انه فعل المتكلم بدليل ما قبله و هو قوله «و انى لصبار على ما ينوبنى، و حسبك انّ اللّه اثنى على الصبر (بنظار الى جانب الغنى، اذا كانت العلياء فى جانب الفقر) يصفه بالميل الى المعالى يعنى ان السيادة مع التعب احب اليه من الراحة مع الخمول.
فهذا البيت اطناب بالنسبة الى المصراع السابق (و يقرب منه) اى من هذا القبيل (قوله تعالى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُون و قول الحماسى «و ننكر ان شئنا على الناس قولهم، و لا ينكرون القول حين نقول) يصف رياستهم و نفاذ حكمهم اى نحن نغيّر ما نريد من قول غيرنا واحد لا يجسر على الاعتراض علينا فالآية ايجاز بالنسبة الى البيت.
و انما قال يقرب لان ما فى الآية يشمل كل فعل و البيت مختص بالقول فالكلامان لا يتساويان فى اصل المعنى بل كلام اللّه سبحانه و تعالى اجل و اعلى و كيف لا و اللّه اعلم، تم الفن الاول بعون اللّه و توفيقه و اياه اسأل فى اتمام الفنين الآخرين هداية طريقه.
مختصر المعاني (تفتازاني)، ص: 183
[1] ( 1)- لم ينسب إلى قائل معين.
[2] ( 2)- هو لأبي المنهال عوف بن محلم. اللغة: الترجمان: الذي ينقل إليك كلام غيرك عن لغته إلى لغتك.
[3] ( 3)- تقدم برقم 874.
[4] ( 4)- اللغة: الحادبي: تثنية الحادبين، سقطت نونه بالإضافه، هو سائق الإبل بالغناء لها، العير: الإبل الّتي تحمل الطعام، النظرة: مصدر مرّة من النظر، أزوّد: أعطى زادا.
[5] مدنى، عليخان بن احمد، الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية، 1جلد، ذوي القربى - قم - ايران، چاپ: 1.
[6] ابن هشام، عبد الله بن يوسف، مغني اللبيب، 2جلد، كتابخانه حضرت آيت الله العظمي مرعشي نجفي(ره) - قم - ايران، چاپ: 4.
[7] ( 2) انظر مغني اللبيب( 441).
[8] سيوطى، عبد الرحمن بن ابى بكر، الأشباه و النظائر في النحو، 4جلد، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، چاپ: 2.
[9] سيوطى، عبد الرحمن بن ابى بكر، الأشباه و النظائر في النحو، 4جلد، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، چاپ: 2.
[10] مدرس افغانى، محمد على، المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول، 7جلد، دار الكتاب - قم - ايران، چاپ: 1، 1362 ه.ش.